المقريزي

54

درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ( دمشق )

وساح في الأرض ، وتجرّد وتزهّد ، فاشتهر في بلاد غزّة ، وعرف بالصّلاح والخير ، فرغب السلطان الملك الظاهر برقوق « 1 » في لقائه ، واستدعاه إليه ، فقدم لأوائل سلطنته وبالغ في تعظيمه ، فهرع الناس إلى زيارته ، وتداولوا مدحه والثّناء عليه ، وعفّ عن تناول مال السلطان وغيره ، فقويت الرغبة في اعتقاده . وعاد إلى غزّة ، وكان السلطان يستدعيه في كلّ سنة لحضور المولد النّبوي في شهر ربيع الأول بقلعة الجبل « 2 » . والناس فيه فريقان : فريق

--> - أهل التصرف من المتصوفة ، فاستعمل استعمال العام في الخاص ، وحدث هذا العلم بعد الصدر الأول عند ظهور الغلاة منهم ، وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس ، وظهور الخوارق على أيديهم ، والتصرفات في عالم العناصر ، وزعموا أن الكمال الأسمائي مظاهره أرواح الأفلاك والكواكب ، وأن طبائع الحروف وأسرارها سارية في الأسماء ، فهي سارية في الأكوان ، وهو من تفاريع علوم السيمياء لا يوقف على موضوعه . ، ولا يحاط بالعدد مسائله ، تعددت فيه تأليف البوني وابن عربي وغيرهما . وحاصله عندهم وثمرته تصرّف النفوس الربانية في عالم الطبيعة بالأسماء الحسنى ، والكلمات الإلهية الناشئة عن الحروف المحيطة بالأسرار السارية في الأكوان . ثم اختلفوا في سر التصرف الذي في الحروف بم هو ؟ . فمنهم من جعله للمزاج الذي فيه - وقسم الحروف بقسمة الطبائع إلى أربعة أصناف كما للعناصر ، فتنوعت بقانون صناعي يسمونه التكسير ، ومنهم من جعل هذا السر للنسبة العددية ، فإن حروف أبجد دالة على أعدادها المتعارفة وضعا وطبعا ، وللأسماء أوفاق كما للأعداد يختص كل صنف من الحروف بصنف من الأوفاق الذي يناسبه من حيث عدد الشكل أو عدد الحروف وامتزج التصرف من السر الحرفي والسر العددي لأجل التناسب الذي بينهما ، فأما سر هذا التناسب الذي بين الحروف وأمزجة الطبائع أو بين الحروف والأعداد فأمرّ عسر على الفهم ، إذ ليس من قبيل العلوم والقياسات ، وإنما مستنده عندهم الذوق والكشف » . ( 1 ) هو برقوق بن آنس أو أنص ، أبو سعيد الجركسي ، العثماني نسبة لجالبه من جركس الخواجا عثمان ، الملك الظاهر ، سلطان مصر والشام ، تسلطن مرتين أولاهما عام 784 للهجرة ثم أقصي وعاد وتسلطن ثانية عام 792 ه وبقي في السلطنة حتى توفي عام 801 ه / 1399 م . ( تاريخ ابن قاضي شهبة ج 4 ص 37 / الضوء : 2 / 10 ) . ( 2 ) هي قلعة القاهرة ، يقال لها : قلعة الجبل أيضا ، ولا تزال موجودة إلى اليوم بأسوارها العالية على قطعة مرتفعة منفصلة عن جبل المقطم شرقي القاهرة ، تشرف على ميدان صلاح الدين ، بل على القاهرة بأكملها ، أنشأها السلطان صلاح الدين يوسف الأيوبي عام 572 ه ( النجوم الزاهرة : 12 / 7 ح 1 . خريطة القاهرة للآثار الإسلامية رقم : 2 / 8 ح ، رقم الأثر : 556 . الدليل الأزرق : القاهرة : 70 ) .